ابن تيمية

89

مجموعة الرسائل والمسائل

فأمره أن يقول : " نزله روح القدس من ربك بالحق " والضمير في قوله " نزله " عائد على " ما " في قوله " بما ينزل " فالمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام ، وقوله : " والله أعلم بما ينزل " فيه إخبار بأنه أنزله ، لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه . ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيداً بالإنزال منه كنزول القرآن ، وقد يرد مقيداً بالإنزال من السماء ويراد به العلو ، فيتنازل نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك ، وقد يرد مطلقاً فلا يختص بنوع من الإنزال بل ربما يتناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى : " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ذلك فقوله " نزله روح القدس من ربك " بيان لنزول جبريل من الله عز وجل ، فإن روح القدس هنا هو جبريل بدليل قوله تعالى : " من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله " وهو الروح الأمين كما في قوله تعالى " وإنه لتنزيل رب العالمين ، نزل به روح الأمين ، على قلبك لتكون من المنذرين ، بلسان عربي مبين " وفي قوله الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص ، فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال تعالى في صفته في الآية الأخرى : " إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين " . وفي قوله " منزل من ربك " دلالة على أمور : منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والبخارية والضرارية وغيرهم ، فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة جهمياً ، فإن جهماً أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات ، وبالغ في نفي ذلك ، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك